الخميس، 19 مارس، 2015

غياب القضية وأولويات الصراع (الحركة الطلابية وتحدياتها)



جاء تصريح وزير التعليم العالي الحالي بإلغاء الإنتخابات الطلابية في الجامعات المصرية ليجدد الأزمة، ويزيد التوتر ما بين الطلاب والسلطة، جاء هذا بعد معركة وأزمة اللائحة الطلابية، وأنتهت بإقرار لائحة مرفوضة طلابيا، لأنها لا تمثلهم وأجحفت بحقوقهم الدستورية داخل الجامعة.
 لم تكن تلك الأزمة الأولي ولن تكون الأخيرة، وربما يتعثر الحراك الطلابي مع كثرة الأزمات التي يلاقيها والصراعات التي يلجها، لكن التاريخ يخبرنا أن حراك الطلاب لا تستطيع الممارسات السلطوية - مهما بلغت شدة قمعها - أن تعطل مساره.
في البدء كانت السلطة :   
لجامعة بولونيا الإيطالية تاريخ عريق بإعتبارها أقدم جامعة بالمفهوم الحديث للتعليم العالي في أوروبا حيث تم إنشائها عام 1088، توافد إليها الطلاب من جميع أنحاء أوروبا فكان النظام الإداري للجامعة صارما، يديره نخبة من أساتذة الجامعة الإيطاليين، كذلك كانت قوانين المدينة تكبل الطلاب الوافدين، ومما زاد الأمر سوءا وتعقيدا، أن الأساتذة يدورون في فلك سلطوي، أدي لغياب دورهم الحقيقي كحماة طبيعين لطلابهم، فشعر الطلاب بأنهم يقفون وحيدين غرباء في مواجهة نظام سلطوي يسيطر علي الجامعة والمدينة.
في مطلع القرن الثالث عشر ظهرت في أوساط الطلاب أفكار تدعو إلي تنظيم حركتهم، للدفاع عن مصالحهم المشتركة ضد إدارة الجامعة، وسرعان مالاقت تلك الفكرة صداها، حيث أنضم طلاب بولونيا إلي النقابات الطلابية، ومثلت تلك النقابات جمعية منافع متبادلة لمنح أعضائها من الطلاب حماية بموجب قوانين المدينة، مستندة إلي كون الطلاب مركز قوة داخل الجامعة
وكانت خطوة تنظيم الطلاب في بولونيا هي حجر الأساس، لـبزوغ نجم قوة طلابية تستطيع الدفاع عن نفسها وبتزايد المعارك المتكررة التي خاضتها نقابات الطلاب للدفاع عن الطلاب وحماية مصالحهم، ظلت النقابات الطلابية تحصد مكاسب وإنتصارات لصفوف الطلاب، مكنها ذلك من أن تتحول من حالة الدفاع إلي الهجوم.
ومع تصاعد نفوذ الطلاب داخل الجامعة، أستطاع طلاب بولونيا إنتزاع حق إدارة الجامعة وتعيين مجلس أمناء للجامعة من الطلاب، ووجد الأساتذة وإدارة الجامعة أنفسهم أمام تنظيم طلابي أستطاع إنتزاع خضوع الأساتذة، والسيطرة علي إدارة الجامعة، فرفضوا التسليم بشرعية تلك النقابات، وعارضوا حق الطلاب في تنظيم أنفسهم داخل نقابات لها مسئولون منتخبون، ولوائح تحظي باستقلال قانوني، لم يستطع موقف الأساتذة وعدم رغبتهم في الإعتراف القانوني بالنقابات في كبح النضال الطلابي، فقد أُجبر الأساتذة الجامعيون علي الرضوخ لوضع جامعي، كان واضحا للغاية أنهم يعملون فيه كموظفين لدي الطلاب.
بعد سيطرة النقابات الطلابية علي إدارة الجامعة، أصبحت العلاقة بين الطلاب والأساتذة محكومة بموجب نظام إداري صارم وضعه الطلاب، بموجب هذا النظام الإداري، منع الأساتذة من التصويت في مجالس الجامعة، وكان الطلاب يختارون بالتصويت أساتذتهم المستقبليين  ويكن لزاما علي الأستاذ في بولونيا، أن يودع في بداية السنة الدراسية مبلغا محددا لدي مصرفي المدينة تحت تصرف الطلاب، تفرض منها المحكمة الطلابية إقتطاع الغرامات في حالة وقوع الأستاذ في إنتهاك للنظام الإداري للطلاب، فيصبح أي أستاذ متمرد عرضة للمقاطعة من الطلاب والإيقاف عن العمل وتكبد غرامة مالية، لذلك كانت المناهج في بولونيا تخضع لتقييم الطلاب باستمرار من حيث الكم والكيف.
ظل الطلاب يديرون الجامعة بسلطة مطلقة لما يقرب من قرنين من الزمان، لكن مع غياب الرؤية الواضحة للطلاب في إدارة الجامعة قلصت من نجاح التجربة التي بدت كأنها إستبدال نظام سلطوي بآخر سلطوي ديكتاتوري لكن سلطة الأساتذة أصبحت تتركز في يد الطلاب ، وعلي الرغم من ظهور تجربة أقل سلطوية في -بادوفا- لكن في النهاية فشلت السلطة الطلابية في القرون الوسطي في تنظيم الجامعات، فطبيعة السلطة الطلابية المتمردة الغير داعمة للإستقرار شكلت تهديدا علي المؤسسات الجامعية التي تميل الي التنظيم والاستقرار، مما جعل ذلك سببا مباشرا للتخلص التدريجي من المشاركة الطلابية كقوة حيوية في جامعات القرون الوسطي، فعندما كانت السلطات الطلابية أكثر اتساعًا كان حُكْم الأقلية الطلابية للطلاب عادةً ما يؤدي إلى نوع من التعصب، علي الرغم من أن التنظيم الطلابي أمر ضروريا في النضال من أجل إستقلال الجامعات إلا أنه بغياب الرؤية والهدف يصبح إفشالا للذات ومسببا للشقاق وبعد نحو قرنين من الزمان من السلطة الطلابية عادت جامعات القرون الوسطى إلى الاعتقاد بأن الأساتذة الجامعيين يؤدُّون مهنتهم بحرفية أعلى من تلاميذهم.

الحركة الطلابية المصرية (القضية والصراع):
ظلت الحركة الطلابية في مصر قبيل جلاء الإحتلال يغلب علي تحركاتها مناهضة الإحتلال البريطاني لمصر، وبعد الجلاء ظل الحراك الطلابي أسير حالة نضالية مهمومة بالواقع الإجتماعي والسياسي وموجها ضد النظام السائد للأمور وظهرت التنظيمات عقب الانتفاضة الطلابية عام 1935 بتدعيم ركائزها بين صفوف الطلبة وكان للوفد النصيب الأكبر في هذا المجال وان كان النصف الثاني من الثلاثينيات قد شهد علو مد نشاط مصر الفتاة بين صفوف الطلاب ثم جماعة الإخوان المسلمين حتى كانت بداية الأربعينيات عندما نجحت المنظمات الماركسية في تحقيق وجودها بين صفوف طلبة الجامعة وخرجت من رحم تلك التنظيمات اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التي كان لها عظيم الأثر في إحداث حراك إجتماعي قوي مناهض للإنجليز ولم ينته دور الطلاب بعد رحيل الإنجليز إنما ظلوا معبرين عن الضمير الوطني متقدمين صفوف الحركة الوطنية رغم التضييقات في فترة الخمسينات والستينات إلا أن النشاط السياسي داخل أروقة الجامعات وخارجها ظل رافضا للسياسات القمعية شاعرا بألم الهزيمة والنكسة في حرب67 وعندما جاءت الأحكام علي المتسببين في النكسة لاتتناسب مع كارثة الهزيمة أنفجرت براكين الغضب في الشارع وشكل الطلاب من بينهم لجنة مشاورة لإعلان إحتجاجهم علي أحكام النكسة والتضييق علي الحريات العامة وإعتقال الطلاب وظلوا متمسكين بمطالبهم مستمرين في تظاهراتهم رغم عنف الشرطة ضد الطلاب فما كان من النظام إلا محاولة إحتواء غضبة الطلاب والتفاوض حول مطالبهم التي جاءت نتائجها في صالح الطلاب نسبيا كما تأثرت الحركة الطلابية في بداية السبعينات مع إستخدام النظام للإسلامين كشوكة في حلق الجامعات المصرية فأصبح الطلاب في مواجهة عدوان وتطرف السلطة وحلفائها من جماعات الإسلام السياسي و تحرك الطلاب رافضين لضبابية الموقف المصري تجاه إسرائيل وأمتدت حالة الغضب في صفوف الطلاب مشكلين إعتصامات في الجامعات ومظاهرات في الميادين فكان الإحتجاج أكبر من تحتويه المواجهات الأمنية وتحت الضغوط الطلابية أجبر الطلاب السلطة علي الإنصياع لإرادتها والدخول في حرب لمداوة أوجاع النكسة ومع إشتعال مظاهرات الخبز 1977 التي فجر فيها الطلاب مظاهرات ضد غلاء الأسعار والفساد التي أنتهت بإعتقال الطلاب ومحاكمتهم بتهمة قلب نظام الحكم أستوعبت الدولة بأن الطلاب يشكلون خطرا حقيقيا علي سلطتها فسارعت بإصدار لائحة 1997 لتكبيل نشاط الطلاب ومع بداية حكم مبارك أدت سياسات القمع إلي تراجع الحركة الطلابية داخل الجامعة تزامن ذلك مع تشكيل حراك طلابي في بداية الألفية مع تصاعد الإحتجاجات عموما وتظاهر الطلاب من أجل إلغاء قانون الطوارئ والتنديد بمقتل خالد سعيد والتضامن مع إعتصامات العمال، ولا يعني هذا بالضرورة عدم وقوف الحركة الطلابية علي المطالبة بمطالبات فئوية تخص طائفة الطلاب، إذ أنه لا سبيل لإنكار دور الحراك الطلابي في تحسين ظروف التعليم الجامعي في مصر، والضغط من أجل لوائح طلابية، وقانون عادل لتنظيم الجامعات.
مع إندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير كان الطلاب جزء أساسي من هذا الحراك الشعبي، الهادف لإسقاط النظام، والمطالبة بالحق في العيش والحرية والكرامة الإنسانية، ولم يكن الحراك الطلابي في الأيام  الأولي من الثورة حراك مستقل بذاته، بل خرج مع جموع الشعب إلي الميادين، وفي الثمانية عشر يوم الأولي للثورة سقط من صفوف الطلاب 92 شهيدا، ومع بداية العام الدراسي الجديد 2011/2012 تحولت الجامعات المصرية لميادين ثورية محاكاة للميادين خارج الجامعة، رفع فيها الطلاب المبادئ الثورية المنددة بسياسات المجلس العسكري، والمطالبة بالقصاص من قتلة الشهداء، والمصرة علي إستكمال الثورة التي منحت لهم قبلة الحياة بعد رحيل نظام قمعي .
في الموجة الأولي من الثورة وبعد إنتزاع الحق في المشاركة في المجال العام، تحركت الحركة الطلابية لإزالة العوائق التي فرضها النظام المخلوع طيلة 30 عاما علي الجامعة المصرية، وكان أول تحرك بديهي للطلاب هو إنهاء تواجد الحرس الجامعي-أمن الدولة- داخل الجامعة، الذي أستخدمه النظام كأداة لقمع تحرك الطلاب، وجاءت بعدها خطوات شابهت مثيلتها خارج الجامعة من الإطاحة بالقيادات التابعة للنظام المخلوع، وكسر القاعدة التي خلدها النظام القمعي بتعيين عمداء الكليات والأقسام والقيادات في الإدارة الجامعية من التابعين للنظام، لكن بعد الثورة كانت الإرادة الطلابية قادرة علي الضغط هادفة لإسقاط القيود التي كبلت الحريات داخل الجامعة.
الحراك الطلابي ظل إمتدادا لحراك ثوري خارج الجامعة، تواجدت فيه التنظيمات والكيانات المعبرة والحالمة بإستكمال الثورة، فظهرت في الجامعة كيانات أيضا تبنت الأفكار الثورية وأتخذت من حراكها صوت معبرا عن الثورة داخل الجامعة، كانت بعض تلك الكيانات موجودة داخل الجامعة منذ فترة كبيرة قبل الثورة – حركة شباب 6ابريل كمثال - وبعضها مهد الواقع الجامعي والحالة الثورية لظهوره ووجوده داخل الجامعة، فظهرت الكيانات الطلابية المستقلة، وأخري ممثلة لأحزاب وحركات وائتلافات ثورية خارج الجامعة.
تصاعدت أصوات طلاب القوي الثورية ضد اللائحة القديمة – لائحة 79 المعدلة - وخرجت المظاهرات وأقيمت الفعاليات داخل الجامعات مطالبة بتعديل اللائحة، وإسقاط القيود المفروضة من الأنظمة البوليسية،  تزامن ذلك مع وجود صراع قوى الثورة مع المجلس العسكري الحاكم وقتها، وشرعت القوي الطلابية تلبي نداء الثورة داخل وخارج الأسوار الجامعية، ليسقط الشهداء من الطلاب في أحداث محمد محمود 2011، لكن ظل حلم كتابة لائحة طلابية جديدة مطلب أساسي، في حين كان الصراع علي أكثر من جبهة داخل وخارج الحرم الجامعي.
ولتشابه الواقع الجامعي بالمشهد السياسي العام أيضا، وكانت الإشكالية الكبرى في بداية الثورة بين النخب والشعب حول مطلب الدستور أولا أم الإنتخابات أولا، أنقسمت الجامعة بين وجوب إجراء إنتخابات طلابية أولا أم تعديل اللائحة أولا.
كان لطلاب التنظيم الأقوي داخل الجامعة – طلاب الإخوان - رغبة قوية لإجراء الإنتخابات أولا، للاستفادة من التعثر الحاصل بجمع الغنائم والمكتسبات قبل أي قوى أخرى منظمة، تمهيدا للسيطرة علي الإتحادات الطلابية، ووسط مقاطعة كل الكيانات الثورية داخل الجامعة، سيطر طلاب الإخوان علي إتحادات الطلاب في الجامعات، وبادروا بعد ذلك بإنجاز لائحة جديدة معيبة هي الأخري، ولم تعبر عن مطالب الطلاب أيضا داخل الجامعة، ودار الصراع وقتها داخل الجامعة رفضا للائحة الإخوان، وأنتهى الأمر بتمرير اللائحة وسط مقاطعة طلاب القوي الثورية .
في الإنتخابات الطلابية الأخيرة – انتخابات 2012 - ظهرت بادرة أمل أخري بعد حصول الإخوان علي أقل من نصف مقاعد إتحادات الطلاب داخل الجامعة بعد أن أشتد الإستقطاب  في الإنتخابات بين قوتين التيار المدني من جهة وطلاب الإخوان المسلمين من جهة أخري لكن حسم الطلاب المستقلين الإنتخابات لصالح التيار المدني الذي توافق مع المزاج الطلابي العام بعيدا عن التهميش والإقصاء الذي مارسه طلاب الإخوان بحق الطلاب برغم تراجع طلاب الإخوان إلا أنه لايعبر عن قوة التنظيمات المدنية وإنما يشير إلي أهمية الطلاب المستقليين ووجوب التفاعل معهم ، ربما يعد هذا إنتصارا حقيقيا للحركة الطلابية التي بدأت منددة بقمع حراكها، وأستمرت مقاومة للقيود علي الحريات الأكاديمية، ثم أشتبكت مع غريما سياسيا هو الأقوي تنظيميا، لكنها أستطاعت كسر شوكته بإستخدام وسيلته المفضلة التي طالب بها ، وهي الإنتخابات غير أن الحركة الطلابية لم تستطع إستثمار ذلك الإنتصار بتوقيف المعارك وتحصين المكتسبات بما يعزز موقفها ويخدم مصالحها المستقبلية
وفي عهد نظام الاخوان، ظل الحراك الجامعي يدور في فلك معارض لسياسات النظام، وخرجت المظاهرات منددة بإنتهاكات النظام، وتنظيمه الأكثر عنادا وإقصاء لمعارضيه، وأصطف الطلاب من جديد مع الشارع مرة أخري، لم يفرق بينهما أسوار الجامعة حتي أطيح بالإخوان وتنظيمهم من السلطة في 30 يونيو.
مع سيطرة النظام الحالي علي المشهد العام بعد 30 يونيو دخلت الحركة الطلابية فترة عسيرة من تاريخها بفعل القمع الشامل التي تتعرض له من إعتقال وسجن وتعذيب وإختفاء قسري بحق طلاب الجامعات، وظهور أبواقه الإعلامية التي تصرخ ليل نهار وتحرض علي الطلاب، بضربهم بالطيران وإغلاق الجامعات، محاولة بكل سبيل شيطنة الحراك الطلابي، سواء داخل أو خارج الجامعة، ومع تشديد القبضة الحديدية للنظام علي المجال العام، ابتعدت كتلة كبيرة من الطلاب عن المشاركة في الفعاليات والتنظيمات الثورية، مما مهد الفرصة للنظام بأن يطيح بتلك التنظيمات، وساعده أيضا حداثة تكوينها وتفككها الذاتي وقلة خبرتها، وعادت الحركة الطلابية إلي نقطة بدايتها من جديد صراع من أجل الوجود والبقاء فحسب.

الطلاب وأولويات الصراع:
في ظل الوضع القمعي أحتد الصراع بين الطلاب والسلطة الأن علي أكثر من جبهة غير أن نضالات الطلاب في ظل التشتت التنظيمي وغياب القيادة الموجهة لم ترق إلي مستوي صد الهجمة وتحصين المكاسب لكن الحراك الطلابي أكتفي بردود فعل إنفعالية كما أن واقع الجمود وجنونية المشهد عمق اليأس في صفوف الطلاب ، بذلك أصبحت الحركة الطلابية داخل الجامعة غير مؤهلة للخروج من الحالة العامة المسيطر عليها العجز وقلة الحيلة، فبعد أن كان الطلاب في أوج الثورة محملون بقضية قوامها إنتزاع الحقوق وإطلاق الحريات داخل الجامعة، وإتاحة مناخ ديمقراطي يمارس فيه الطلاب حقوقهم المشروعة ، فقد تمخض الحراك بعد أربع أعوام، فلم نجد فأرا، بل أفقنا علي إحصائيات مرعبة تخبرنا بأن أعداد الشهداء خلال العام الدراسي 2013 وصل لما يقرب من 13 طالب داخل الحرم الجامعي، وأعداد من هم في السجون يجاوز ال400 طالب،  وكأن السجون والقبور فتحت أفواهها، لتنتزع كل تمرد أو حراك، وهو مايجعلنا نفكر ما هي الحكمة من أن نقدم دمائنا في صراع عبثي وأن نكون وقود للقبور والسجون؟
فإن كانت الحركة الطلابية قد لعبت دورا هاما في النضال من أجل التغيير في أوج الثورة وأكتسبت قوة في الساحة السياسية وموقعا في الحراك المجتمعي فإنها مع ذلك سقطت في بعض الأخطاء التي تستدعي التقويم والمراجعة والنقد ليكون الثابت هو الوحدة والنقد وسيلة لتعزيزها للإستفادة منها ولتجاوزها في الحاضر والمستقبل وإذا كانت الحركة الطلابية قد بذلت كل غالي ونفيس وتقديم التضحيات من الشهداء والمعتقليين الذين ذهبوا ضحية القمع عبر تاريخها فإن دقة المرحلة وخطورتها تتطلب الإدراك الواعي للمسألة التنظيمة وحيوتيها في العمل الطلابي للخروج من التشتت التنظيمي لتكرس لتحركات تفضي إلي وحدة صفوف الطلاب علي أسس فئوية تخص طائفة الطلاب وتراعي مصالحها بعيدا عن المزايدات السياسية وكل أشكال العنف والإحتكام إلي القواعد الطلابية,هادفة إلي خلق أشكال تنظيمية طلابية مرنة تستجيب للتحولات التي يتعرض لها الحراك الطلابي وقادرة علي استيعاب الطلاب لصهر كل الطاقات الطلابية في بوتقة الحراك الموحد لتحصين الحركة الطلابية حتي تستعيد مكانتها ومواجهة السياسات القمعية.
-------------------------------------------------------
الهوامش
*آلان دي كوبان السلطة الطلابية في العصور الوسطي

عبدالرحمن رياض محمد نعيم
طالب بجامعة المنصورة
عضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان والقانون
نشرت هذه المقالة فى موقع مدي مصر


الجمعة، 27 فبراير، 2015

قراءة مغايرة للخطاب النسوي





               







  ( مقالة لعضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان المحامي  أحمد حشمت)  

 (إذا تراجعت الحركة النسوية في انتشارها ومكانتها في المجتمع، سيكون ذلك فعلا بسبب الرؤية الضيقة والنخبوية لأهدافها وإنجازاتها في الحياة).[1]
إذا اتفقنا معا في البداية أن الذكورية وجهة نظر غير مرتبطة بمعتنقها، إن كان جنسه ذكرا أم أنثى، فدعونا نتفق على أن النسوية هي فكرة وصفة ليست مرتبطة بالجنس أيضا.

والذكورية في معناها العام هي مجموعة السلوكيات والقوانين والأعراف التي تمنح فئة ما حق السيطرة والتملك والتحكم ضد فئة أخرى، وهذه الفئة المسيطرة والمتحكمة في العادة تكون فئة الذكور في المجتمع، لذا فقد جاءت النسوية كفكرة مضادة لتدافع عن حق الفئة الأخرى وهي عادة ما تكون النساء، وتمنحهم الحق في أن يكون لهم وجودا مؤثرا في مجتمعاتهن، لذلك فإن أكثر التشبيهات التي تعجبني للتعبير عن النسوية هي أن للإنسان عينان فإذا قرر أن يغمض أحدهما ليرى العالم والأشياء بعين واحدة فقد نال حظه الأوفر من الذكورية، وكل ما عليه لكي يدخل في رؤيته العدالة والإنصاف أن يفتح عينيه الاثنتين معا ليكمل نقصه.

(المساواة ليست مفهوما، انها ليست شيئا ينبغي علينا أن نسعى له، إنها ضرورة، المساواة مثل الجاذبية، نحن رجالا ونساءا في حاجة إليها للوقوف على هذه الأرض، والكراهية التي هي في كل الثقافات ليست وضعا حقيقيا للحالة الإنسانية،  وتخرج الحياة من حالة التوازن، وهذا الخلل ينزع شيئا من روح كل رجل وامرأة واجهه، نحن كلنا بحاجة المساواة .. الآن).[2]


فالعين الواحدة تغيب عنها تفصيلات كثيرة، ولن ترى كل الجوانب، سترى الأمور قاصرة، وتتبنى ردود فعل ظالمة، وتتوجهه إلى طريق غير آمن، قد تتعثر فيه غالبا.

 

الأنثوية = الذكورية:

لذا فإن الرؤية المكتملة تكون بعينا المرأة والرجل معا، لا بعين أحدهما فقط، ولن يستقر الميزان بأن تزيد من كفة إحداهن وينتقص من كفة أحدهم، ولهذا فإن الرؤية بعين واحدة مضادة تكون رؤية أنثوية مشابهة للرؤية الذكورية تماما ولكن من الجانب الأخر.

هذه الرؤية الأنثوية وإن كان لها مبرر في رؤيتها لإن لها مصلحة في دفع الظلم عنها، لكنها على المستوى البعيد ليس منتجا لنظام إجتماعي متوازن عادل.

والرؤية الأنثوية التي تتجلى في فكرة أن "المرأة ضحية الرجل"، ضحية وجوده وسيطرته وتحكمه، هي نفس الفكرة التي تعتقد أولا في أن "الرجل فارس الأحلام"، يمتطي الحصان الأبيض، ويمتلك بساط الريح، ومصباح علاء الدين.

الرؤية الأنثوية هي التي تساعد على ظهور الرؤية الذكورية بقوة وتؤكدها، هي التي تدافع بضعفها وقلة حيلتها، لكي تكسب تعاطفا وهميا من المجتمع، ثم لتمنح ضميرها راحة نفسية ومبررا للإنتقام بعد ذلك، والانتقام يأتي أولا بعدم الإعتراف بوجود الرجل، ثم بأنه لا نفع فيه ولا رجاء، ثم بحتمية القضاء عليه.

(نحن جميعا نحارب من أجل تعريف مصطلح "النسوية"، وما يعنيه لي هذا المصطلح هو التمكين، هذا لا يعني أنني أتطلع أن أكون أقوى من الرجل، ولكن يعني اكتساب حقوق متساوية في ظل من الحماية والدعم، والعدالة. إنها أشياء أساسية جداَ، وليست مجرد امتياز نتفوق به عن الأخرين).[3]


فالنسوية تعتمد على تشابه الإنسان وتماثله بصرف النظر عن مقوماته التي تعتمد على جنسه، واختلاف وظائف جسده وتمايزها، لا فرق بين رجل أو امرأة فالكل متساوون، والكل يستطيع أن يقوم بنفس الأدوار في المجتمع، فالعقل واحد والنفس واحدة، لن يختلفا إذا كانا في جسد امرأة أم رجل، ولكن الذكورية ترى أن الرجل هو الأقوى وهو الأكثر تهيئأ، والإنثوية ترى أنها الأذكى والأدهى وهي الأعلى جدارة.

وعليه فإن هذا يخلق صراعا لا نهائيا ليس له نتيجة، فالكل خاسر، ولن ينتج عن هذا إلا خطابا متطرفا من الجانبين، ولن يضار إلا من يسكن الدائرة الأضعف.

الخطاب الراديكالي المأزوم:

الإيمان بفكرة النسوية هو أسمى مراتب الإيمان بالحقوق الأساسية، لأن النسوية تعني المساواة، تعني أيضا العدالة، تعني الثورة على القهر والاستعباد والظلم.

وفي ظل هذا الصراع المستمر، يجب أن تنجو فكرة النسوية بنفسها من الاستقطاب الذي يخلقه الخطاب الراديكالي، وأن يتحلى معتنقيها بسيطرة على خطابها، فلا تجنح بكراهية الرجل كرجل، ولا بتمجيد الأنثى كأنثى، بل بواسطة خطاب يستهدف كسب أنصار جدد محتملين من الرجال، ويحافظ على من اعتنقوا الفكرة واتخذوا صفها من البداية.

خطاب يعتمد على الإنسان كأولوية، ويتخذ من المساواة له منهجية، فلا معنى أن تدخل النسوية حربا كلامية وخطابا استقطابيا، لن ينفع إلا أعداء الفكرة، والمتربصين بها.

وإن كان الظاهر في كل الأحوال أن الرجل هو المسيطر والمتحكم والظالم، وأنه يستمد من الموروثات الدينية والأعراف المجتمعية سندا لتبرير جرائمه في حق الأنثى، إلا أن هذا لا ينفي على الإطلاق أن الأنثى هي من تربيه وتنشئه وتوطن في عقله هذه الأفكار، وتدعمه في أغلب الأحيان ضد شبيهاتها.

(للأسف ، الكثير مما يمر بالنسوية في هذه الأيام هو مجرد الشكوى والتذمر مما يفعله الرجال، وعلى وجه الخصوص نقوم بتهنئة أنفسنا على اللا شيء، ونستمر في الاستهزاء بهم لكونهم أصبحوا أطفالا كبارا، بينما نبذل كل ما بوسعنا للحفاظ على هذا النحو).[4]

تخطئ بعض الحملات النسوية في التخطيط أو التطبيق خطأ عظيما، فحين تحدد استراتيجيتها وأعدائها، تضع الرجل، كل رجل، عدوا محتملا، وكل أنثى، أي أنثى، مؤيدا محتملا، وهذا الأمر مرجعه أن تفقد النسوية مؤيدين كثيرين من الرجال وتستبعدهم من الإنضمام إليها، وتقرب إليها معارضين من الإناث قد يكونون وبالا عليها، وعليه فإن الخطاب الناتج عن هذا التخطيط الذي جانبه الصواب، يفرز تطبيقا على الواقع عدوانيا ضد من يكونون في نفس الصف مع الفكرة، ويؤدي إلى جنوحهم عنها، أو معاداتها.

إذا أعطينا مثالا وقلنا أن رجلا يعاني من القهر الذكوري في المجتمع، واتجه بنظره ناحية النسوية ليجد ملاذا ومنبرا، فإذ به يجد خطابا رافضا له لا لشيء سوى لأنه ذكر، فهو محمل بأخطاء أقرانه من الذكور، حاملا صليب خطاياه دائما، ملزم بأن يتبرئ دائما وأبدا من ذلك، منزوع الثقة فيه وفي تحركاته شك وريبة، أليس بذلك ننتج خطابا أنثويا مشابها للخطاب الذكوري، يعتمد على الإنتقام وليس المساواة.

وإذ كنت أنا كذكر، معرض للقهر من الذكورية، وكذلك سيمارس علي نفس القهر من الجانب الأخر، ما الذي يجعلني مؤمنا بالنسوية في هذه اللحظة، ما الذي يجعلني أدافع عنها، ما الذي يجعلني أطالب بالوقوف جانبها، بل بالعكس ساعتها سأفضل أن أحظى بوجودي في مجتمع ذكوري، يعطيني بعض المميزات، بدلا من أن أكون في مجتمع أخر لا أنتمي إليه ولن يعطيني شيئا، بل سيمارس علي نفس القهر الذي أعاني منه.

أليس من الأجدى أن تحدد الحركة النسوية هدفها بدقة، ولا تخرج عنه، بمعاداة الرجل، فقط ولا شيء إلا لأنه ينتمي إلى فصيلة الرجال، التي ارتكبت جرائم لا حصر لها في حق المرأة.

الهدف هو أن تحظى المرأة بالمساواة كإنسان مثل الرجل كإنسان، طبعا هناك من الصراعات التي يُجر إليها أعضاء الحركات النسوية بلا ذنب لهم فيها، وبدون أي مقدمات، لكن يجب أن يكون هناك وعيا أشد، وإدراكا أعلى بعدم الإنقياد إلى هذه الصراعات، والجدل الفارغ الذي لا طائل منه، غير تشويه الحركة النسوية وكل المنتمين لها.

أنا أعتبر نفسي واحد من ضمن المؤمنين بالنسوية، والمعتقدين في أولويتها، وأحسب نفسي كذلك دون أن أنتظر شهادة من جهة أو قلادة من أخرى، لذلك يهمني في هذا الشأن أن أفتح حوار جادا بين الحقوقيين - وأخص النسويات والنسويين- حول الثغرات التي ينفذ منها أعداء النسوية إليها، كما يهمني أن نتوقف لكي ننظر بشيء من التمهل للأمر، أن ننقده لنحسنه ونوجهه إلى بر أمان، وطريق أسهل، وذلك أيضا في إطار التمكين والدعم والحماية، واستجلاب العدالة، لا في إطار تكميم الأفواه والقمع والقهر والسخرية.

فالأفكار الحقوقية أفكار غريبة على مجتمعاتنا، وإذا وجد بعض قيمها ومبادئها في بلادنا يكون قد أصابه العطب من الموروثات التي شوهتها، وأنكرت أصولها، واختزلتها في حدود ضيقة، تارة باستخدام الدين وتارة تبعا للأعراف والتقاليد، لذلك فإن ترديد شعارات جوفاء لا تحمل ثقلا في المضمون، وتنافي القيمة الأساسية المبتغاة من النسوية كفكرة، يحول الأمر في أخره إلى ساحة مليئة بالببغاوات التي استحسنت صوتها، ولم تعقل ما خرج من بطون عقلها.
























[1]  الأكاديمية الأمريكية Camille Paglia كاميل باليا http://goo.gl/PntmDj
[2]  الكاتب والمخرج الأمريكي Joss Whedon جوزيف هيل هيدون http://goo.gl/7idQGB
[3]  المغنية والمؤلفة الإنجليزية Annie Lennox أني لينوكس http://goo.gl/XdV6hQ
[4]  الكاتبة الإنجليزية Julie Burchill جولي بورتشيل http://goo.gl/w1NzFp